.. وعندك واحد مقال وصلّحه!!
أحياناً، يحار المرء فيما يكتب، كيف..؟لماذا..؟ماذا..؟أين.؟ ومتى..؟ إلى آخر عناصر القصة الصحفية أو الخبر سواء كان بطريقة "الهرم المقلوب" كما درسناه، أو "المعدول" حينما حاولنا أن نستأسد أو "نتأستذ" أو بأي طريقة كتلك التي تعلمناها وحفظناها عن ظهر قلب (وربما "عن زهر كلب" كما تقول مذيعة مشهورة) بل وأفنينا سنين طويلة من عمرنا في الدرس والتجريب والممارسة.ثم في النهاية قد نرى التوجه الأفضل يكمن في " فلاحة الأرض " بحثا عن سنبلة قمح، أو ربما عقابا لاستئصال شوكة تنبت في حلق وردة، كما حدث لصحافيي الكونغو مؤخرا حين هرولوا لنيل الأراضي بدلا من "نبل" الصحافة التي قد تجر "القتل" مثلما يحدث في بعض دول العالم الثالث.. أو على الأقل محاولة "الضرب" كما تعرض له صديق ذات مرة عقابا على خبر ما.ولأن كل المهن المعروفة قد لا "تؤكل خبزا".. إلا أن الصحافة بالذات تعتبر بالنسبة لي على الأقل نوعا من العقاب الوحيد في حياتي، بحيث أنني أحس بالفشل عند مجرد محاولة "امتهان" أي مهنة أخرى، ولو كانت مجرد تجارة الشاطر حسن أو حتى "علي بابا والست مرجانة" التي خسرت فيها كل ما أملك ـ وكان شلنا ـ في دقيقة واحدة حينما اعتقدت يوما أنني ذكي أمام حركات بائع الثلاث ورقات في أحد ميادين الإسكندرية و "صادقت" على غبائي غير المحدود لما سمعت قهقهة من هم حولي، فكانت درسا لا ينساه من اعتقد يوما أنه رجل في العاشرة من عمره.. أغاظه صديقه المزعوم بقطعة "الشيكولا" فلم يملك إلا أن يمصمص شفتيه، ليس على الخسارة فقط وإنما على الحرمان أيضا!***الصحافة، بعد أكثر من ربع قرن من الممارسة أصبحت "مقلبا" كئيباً ليس للقمامة ـ كما يخيل لبعض الصائدين في الماء العكر ـ ولكنها تعتبر "خازوقا" أشهر من "خازوق سليمان الحلبي"..أحلام الصبا والشباب.. الشعر المسترسل.. البنطلون الجينز.. وفورة الشهرة المزعومة لمجرد نشر الاسم بـ "بنط 9 " أبيض أو أسود.. حيث لا فرق الآن في الاستنساخ أو الانبعاج أو الانبطاح.. يعني "كله ماشي يا تاج راسي" و "على حسب وداد قلبي" و "اتفضل شاهي" كلها سقطت بعد انكشاف مستور القيم والمثل التي غرسها فينا أساتذة الإعلام الأوائل.بصراحة مفجعة، صحافة "ريح بالك يا مواطن" لم تعد تغرس المواطنة لذا لا يصدقها المواطن.. و"إديها ميّة تدّيك طراوة" أصبحت عديمة القيمة بعد انتشار ثقافة "التكييف" ودعوات "التكيف" مع الواقع وسهولة توافر "الكيف" خاصة وأن الفضائيات تكفلت بالمهمة الأشد صعوبة، وهي تسطيح العقل العربي وإفهامه أن الفيديو كليب وسيلتنا الحقيقية لمواجهة العدوان، وأن الأجساد شبه العارية أنموذجا رائعاً لتجاوز حالة السلبية التي غرستها نصيحة الراحل محمد رضا حينما أثار شجوننا بقوله "إدي ضهرك للترعة" حتى أصبح الواحد منا يعطي ظهره لأشياء كثيرة تجنباً للممنوع أو إثارةً له، بينما سعادة "الكرسي" مازال يتشبث بـ "البيه المسئول" ويرجوه ألا يتعب في الجري وراء لعبة الكراسي الموسيقية في غياب الحكم ومساعديه والجمهور أيضا.. فمدير العلاقات "يجيرها" لحساب علاقات أخرى !الصفحات ما زالت مجرد "خبر أسود" مطبوخ بمهنية وحرفية (كما لا يزال يصر صديق) على ورق أبيض كان يوماً ما "طيب القلب" .. كفلاح ما زال يأمل خيرا في موسم حصاد لا تأكل الطيورُ ـ إياها ـ نصفه ؟!.حبر أسود و "مهبب".. يلطخ يد قارئ بسيط دفعته العادة ـ اليومية كي لا يساء الظن ـ على دفع ثمن الصحيفة.. "أي صحيفة" ربما بدل بعض أرغفة الخبز، بحثا عما قد لا يريح باله.. وكأنه بالقراءة يسد رمقه ويسد جوع بطنه!ألم أقل أننا أحيانا نشتري "وجع الدماغ" ونحن بكامل إرادتنا ووعينا، ونبحث بجدية عما يجلب لنا الصداع والصرع والضغط والسكر والكوليسترول والقلب و "الزفت" التدخين!فالأخبار لا تسر عدوا ولا حبيباً..ـ مهرجان احتفالي للقتل اليومي في الأرض المحتلة، التي لم تقتصر على فلسطين فقط، بل انضم العراق أيضاً لقائمة الوليمة المضرجة بالدم.ـ ومهرجان آخر للبشاعة وامتهان الكرامة فيما أصبح يعرف بشاليه أبو غريب للمعتقلات الإنسانية.ـ ودماء صحافيين ومصورين ومراسلين وكوادر استحل الاحتلال دماءها ليحررها من وهم الكتابة ويأسرنا نحن المشاهدون لندفع ضريبة السكوت والخذلان.***صحيح ...مساكين هؤلاء الصحافيين..شهرة على الفاضي.. في صحافة أونطة!وفي النهاية هناك قارئ ما يزال يجلس على القهوة العربية..كوب من الشاي..فنجان من القهوة..نفس عميق من سيجارة رديئة..ثم تصفيقتان متسارعتان مع نظرة محمومة إلى داخل القاعة..وصوت يتحشرجُ بصعوبة..أنت يا زفت يا عم عبده:واحد " مقال " وصلحه !








