من ينفخ معي في قربة مقطوعة؟
حدق الشرطي بي
قبل أن يطلب أوراقي
ولما لم يجد لدي لساناً أو شفة
زم عينيه وأبدى أسفه
قائلاً أهلاً وسهلاً يا صديقي العربي
ــــــــــــــــــــــــ أحمد مطر
أبيات الشعر العربي المذكورة أعلاه وضعتني في مأزق، ليس لأننا نعاني من شيزوفرينيا بين ما نتشدق به وبين ما نتصرف، ولكن لأننا كمجتمع عربي يقبع في هوة مؤسفة من التناقض الغريب والعجيب.
ـ كلنا نتفاخر بأننا لا نحني رؤوسنا إلا لله، لكننا ما إن تنتهي شعائرنا حتى نحني تلك الرأس الشامخة على كرسي الحلاق.
ـ معظمنا يملك كثيرا من الثرثرة، والقدرة العجيبة على أن يبقى فمه مفتوحاً لأطول فترة ممكنة، استعراضاً لعضلات اللسان، أو استجداءً لبريق مايكروفون، أو "استهبالاً" بكمٍ غير محدد مما يسمونه "ثقافة" لكنه عند الموقف الذي يتطلب رأياً صريحاً، تتدلى شفتاه إلى أسفل، وتطبقان على بعضهما خوفاً ورعباً.
ـ قديماً، قالوا إن الإنسان العربي لا يفتح فمه إلى عند طبيب الأسنان، أما حديثاً، فإنه يغلقه بشدةٍ أمام رئيسه فلا ينطق إلا بالثناء، ويفتحه بشدةٍ على زوجته، فينفخ فيها، ويصفع أبناءه، وينفعل على عامل مسكين، وهذه قمة الشجاعة.
ـ كثيرون يقولون "وسع صدرك" البعض يقصد بها بعض الحلم، وآخرون يرون في المقولة مفتاحاً لفتح باب "الذمة"، ليكون النهب بالصدر، توطئة للتخزين في البطن، ثم يشكون من "إمساك" مزمن.
ـ في المدرسة قال لي معلمي حين كنت صغيراً وبابتسامته المعهودة حين يهم بضرب أحدٍ :"لا تخف"، بينما كانت يده اليسرى، تحمل عصا "يهش بها على غنمه".. الذين هم نحن الصغار طبعاً.
ـ في المسجد.. استشهد الخطيب بأعلى صوته ـ إذ لم يكن هناك مايكروفون في قريتي ـ بالحديث الشريف "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" ولم يوضح لنا ما هي المسؤولية، وكيف وماذا نتصرف، وأسئلة كثيرة تجوب في عقول صغيرة.. لقد كان يردد خطبة مكتوبة، منقولة من كتاب مضى عليه أكثر من ربع قرن فكيف له أن يعالج بمثل هذه الأفكار مشاكل عام نحن فيه ؟
ـ في البيت.. وعندما يقرع الباب، ينظر لي أبي ويقول:"إذا كان فلان، قل له إنني غير موجود".. هكذا أتعلم الصدق منذ طفولتي، وعندما أكبر يتساءلون لماذا أنا كاذب باستمرار؟
ـ أمام التلفاز أجلس.. فأجد الرئيس يخطب في الشعب، ويقول بكل جدية:".. وأنا أجيب لكم منين" فلا أملك إلا أن أتساءل:" طيب وأنت شغلتك إيه" ألست أنت الراعي ونحن الرعية.. أقصد الغنم؟ فأتعلم ساعتها، إن المناصب فرصة للشفط والهبش، وتوظيف الأقارب، وأخذ البدلات والعمولات، والسمسرة، ثم أدعو بطول العمر للمدعو "كرسي الحكم" والانتخابات والاستفتاءات وكلها بنسبة 99 بالمائة!.
ـ في العمل.. الخطأ وارد، عندما أخطئ كنت على استعداد للاعتراف، وتحمل النتائج، لكن صديقاً متمرساً نصحني بالصمت تماماً، وإذا حدثت مشكلة، أستطيع الإفلات بتوريط أكبر عدد ممكن فيها.. هكذا ببساطة، حتى يضيع دم هذه المشكلة بين القبائل!
****
كمواطن عربي.. في حياتي ثقوب كثيرة يتحدثون عنها ولا يخجلون من استعراضها، متناسين أن الأسباب كثيرة..
يهرول الجميع نحو هذا المسكين المسمى "إصلاح" دون أن يحاولوا إصلاح العقل أولا والجسد ثانيا.
ـ يتحدثون عن إصلاح القوانين، والأوضاع، والأنظمة.. دون أن يتعرضوا أبداً لي أنا الموقع أعلاه أو أدناه، أو أسفله.. كيف يصلحوني أنا؟ لأكون حقاً مواطناً صالحاً.
أفزعوني بالحرام، والعيب، والتقاليد، والشرع، والقانون، وجندي المرور، وجندي الشرطة، وصورة الرئيس القائد، وكلمات الرئيس القائد، وقائمة طويلة من الممنوعات والمحرمات والمحاذير.. دون أن يقولوا لي صراحة كيف أعيش حراً كريماً.
ـ يتحدثون باسمي، دون أن أمنحهم توكيلا رسميا.
ـ يدعون إنهم يعلمون مصلحتي التي ما زلت قاصراً على إدراكها، وبالتالي يحق لهم تقرير مصيري نيابة عني.
ـ صدقت ذات مرة إن هناك انتخابات حرة، وكمواطن عربي ملغم بالمعارضة، اخترت في ورقة الاقتراع اسم المرشح المنافس، وحين خرجت، لعب الشيطان بعقلي، وقال كيف تجرأ على معارضة النظام، وأن تقول رأيك، هل ستفهم أنت أحسن من النظام الذي عاش فوقي ربع قرن، فعدت للجنة الانتخابية ثانية، وقلت للضابط معتذراً :"يا سعادة الباشا.. أنا غلطت وبدل ما أؤشر على سيادة الرئيس، أشرت على المرشح المنافس" فأمسك أذني بين إصبعيه، وقال لي بكل شفافية:" إحنا تداركنا الخطأ.. وعرفنا نيتك، بس المهم ما تعملهاش مرة ثانية"! فحمدت الله على أن الحكومة "صاحية" والأمن "مستتب" وكله تمام وعكس ذلك هو ما يقوله الحاقدون والموتورون!.
****
عفواً.... أيها السادة، هل قلت شيئاً؟
أنا أكتب.. أنتم تقرأون..
يا إلهي.. إنني أنفخ في قربة مقطوعة
هناك تعليقان (2):
أستاذ محمد هجرس .. هنا لتهنأتك على مدونتك الجميلة ، تملؤني السعادة عندما أجد قلم يقولب كبوات مجتمعنا بهكذا قالب يعج بالسخرية اللاذعة .. ثق أنه ستكون لي زيارات أخرى متتالية لمدونتك .. كما أتمنى أن نتواصل دائما وهذه مدونتي ..
http://hamisiyat.blogspot.com/index.html
أشكرك / وافر الاحترام / هـاميس
أستاذ محمد هجرس
هل لي بإضافة مدونتك عندي في قائمة
مدونات صديقة ..
أتمنى أن نكون فيما بيننا تواصل بين الكتاب ..
إرسال تعليق