23‏/12‏/2006

من يدخل معي في حزبي الجديد.. مركوب لكل مواطن؟

وأنا في العشرينيات من عمري ، لم أكن أؤمن بالأحزاب، باعتبارها ترف اجتماعي، وأن الديموقراطية ـ كما رددت على مستشار مصري شهير في صحيفة معارضة ـ لا تناسب الجوعى، والواقفين في الطوابير، تسلخ أقفيتهم أشعة الشمس.
لم أكن أعرف أن الأشباح موجودة بيننا، تشرب معنا فنجان قهوة "سادة" أو على الريحة، رغم أن بعضها كان يندس في الصفوف بيننا نحن طلبة الجامعة، يبعثون بالتقارير المكتوبة على أي ورق، في وقت كان فيه "الكلينيكس" لا يناسب سوى أولاد الطبقة الراقية الذين لم ولن أكن منهم،. حيث كانت علبة الكلينيكس بديلاً اعتبارياً لقطعة ملابس داخلية، إذ كيف لقروي بسيط أن ينازع أولئك الجميلات اللواتي ينزلن من سياراتهن بسيقانهن الرشيقة وتنوراتهن التي تنافس ما تحتها من فرط الـ"....." بينما كان على صديق أن يسجل في قائمة واجباته، الحضور يومياً من كلية الآثار ـ حيث كان يدرس ـ ليجلس معي في البنش ما قبل الأخير في الدور الرابع بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ليتأكد من تطبيق القاعدة الشرعية، التي ملخصها أن للرجل ـ الذي هو أنا طبعاً ـ الحق في أربع نساء ـ اللواتي هنًّ ـ لأن عددنا نحن الطلاب لا يقترب من ربع عدد الطالبات الطامحات في أن يكن مذيعات أو صحفيات أو لا أعرف الآن مصيرهن.
لم يكن على البعض منا أي إثم، عندما يخرج في مظاهرة تسب وتلعن الرئيس الراحل أنور السادات، أو تحضر حفلاً للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، أو يحمل حقيبة منشورات ضد النظام السياسي، أو يندس في الصفوف الخلفية لعرض سينمائي صيفي بسينما الجيزة، ليشاهد بطل الترسو، ويتفرج على ما لم يره أو يتأكد أنه يراه.كان أصحابنا "بتوع الأمن" بينما كنا نحن "بتوع الشقاوة" وانتفاضة "الحرامية" من غير حزبيين ويساريين وجماعات إسلامية وشيوعيين وغيرهم من التيارات المتدفقة والحيّة ـ لا الأفعى كي لا يسئ البعض الظن ـ والفرق بين "بتوع الأمن" الذين كانوا يرون ضرورة الأمن الغذائي، والأمن التعليمي، والأمن الصحي، والأمن العاطفي، والأمن الجنسي، وبتوع الشقاوة الذين يربون شعورهم ويجلسون على الرصيف، ببنطلون جينز، وكوتش رخيص، ودفتر صغير يكتبون فيه أشعاراً عاطفية نظير جلسة على الكافيتيريا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وقارورة بيبسي (حيث كانت بدايات الانفتاح) مثلما كان يفعل الراحل أحمد زكي في مدرسة المشاغبين.
"بتوع الأمن" كانوا يضمنون التعيين في بعض الصحف فور التخرج، أما بتوع الشقاوة، فكان عليهم الانتظار لواسطة ما تهبط عليهم من السماء، ولا زلت أذكر تلك الجميلة التي "سحبتني" من يدي المرتعشة وقتها "موش عارف ليه" في مقر مجلة روز اليوسف، لأكتشف لأول مرة أن الكاتبة الرائعة نادية عابد، ليست سوى ذلك العجوز مفيد فوزي، وأن "قبلة" من محررة جميلة عابرة للقارات، كانت سببا في تهديدي لتحويلي لقسم الاستماع (وأنا تحت التمرين) من أحد رؤساء التحرير! لكن الله سلم وظللت محافظاً على رباطة جأشي وأنا أرى قبلة طبيعية وطويلة جداً لأول مرة في حياتي (وكأنها مسلسل مكسيكي) دون أن أجربها إلا عند الوداع على محطة مصر !
كان تفكيري الرومانسي والساذج يجعلني أرفض "بتاع الأمن" وأتمسك بصورة "إحنا الشعب" وصوت عبد الحليم حافظ الذي كان يرسم لجيلنا ملامح (الوطن/ الحلم) ضد أكذوبة (كامب ديفيد/ الرخاء).كان تفكيري يرفض التقارير ولا يصدقها، رغم أن مقابلها كان يستحق المغامرة، على وزن رجال أعمال هذه الأيام، الذين كل همهم، تحقيق المليون الأول، ولو من صفقة مخدرات، ثم الحديث عن الاستقامة والتشدق بأيام "العز وأكل الوز"
كانت العقلية تكتفي بفهم أن سلوك البشر يبحث دائماً عما يسنده، لا ما يتسلقه، والتحلي بكاريزما فتحت عينها على صورة عبد الناصر، وصوت أم كلثوم، وألحان عبد الوهاب، ودفء فيروز، وعالم نجاة، ورفض الشيخ إمام وفؤاد نجم، وسخرية صلاح جاهين، ومسحراتي فؤاد حداد.. وبقايا كلمات بيرم التونسي
أؤمن بأن الأشباح كانت موجودة.. ومنتشرة، لكنها لم تصل لمستوى الأحذية التي أصبحنا نراها اليوم وقد انتعلت رؤوس الكثيرين بمسميات مختلفة (جزمة، شوز، برطوشة، صرمة، مركوب...) ووصل الأمر إلى "جزمة المنصة" الشهيرة، والتي استفحلت لتزيد وعكة الرجل المريض، وتقضي على ما تبقى من هيبة الدولة وفي حضور ممثل الدولة.
هيبة الدولة.. التي تبرع رجل "مباحث" بمسمى "معلم" ليغرس فيها آخر خنجر ليمرغها في التراب وتطفو بنوتة صغيرة اسمها آلاء لتفضح كل العقلية التربوية والتعليمية، في كابوس كان عنوانه الذليل الذي احتل صدارة الصحف: "انحراف طالبة سياسياً".
طالبة احتجت بفعل الفضائيات، وما تشاهده من قتل وتدمير وسياسات عفنة، وخنوع أكثر عفونة، وربما كانت كما قال أحد الكتاب "لا تعرف من السياسة سوي أن أمريكا مسؤولة عن تجويع الشعوب ، فلم تجد أمامها إلا بوش الابن لتتهمه بإعاقة أحلام الشباب في تعمير الصحراء".
صديقتي الأمريكية كاثي، قالت لي ذات يوم، إن من حقها قذف الرئيس ريجان بالطماطم والبيض الفاسد دون أن يهينها أحد (ربما لم تكن تدري أن بوش سيأتي يوماً) وسألتني هل تستطيع أن تفعل ذلك؟ فأجبت بكل ثقة، نعم: "أستطيع أن أمسك بالبيض الفاسد والطماطم لأقذف وجهي" ولم اكن أعرف أنا الآخر أن هناك ثمة سلاح للأحذية البيولوجية.. ذلك الذي اخترعه الممثل الشهير سمير غانم ذات يوم ليصف نفسه بأنه عالم "ذرات" ونطق حرف (ذ) بالعامية وكـأنه (ظ) لتصبح المعادلة مساوية تماماً لمفعول الهواء "الطلق" ومضادة له في الاتجاه والمعنى والـرائحة!. حادثة ولاء.. وضعتنا أمام نفس العقلية المباحثية، التي ترى أنه ليس من حق أحد منا أن يفكر أو يفكر في ان يبدع، تحسباً لجريمة جرثومية محتملة، وبالتالي كان على مدرس اللغة العربية ان يتبرع لـ"حذف حرف العلة" والتطوع ـ بحسه الأمني ـ لإبلاغ الجهات الأمنية لتأديب طالبة على انحرافها السياسي!مسخرة، أن يتحول معلم إلى "مخبر".. وفضيحة للنظام التعليمي كله الذي أسقط بيت أمير الشعراء أحمد شوقي.. والذي كنا نتغنى به ونطرب
قم للمعــــلم وفه التبجيلاً
كاد المعلم أن يكون رسولا
ليكون أكذوبة كبرى على غرار
قم للمباحث وفها التبجيلا كاد المخبر أن يكون رسولا
لهذا ومع الاعتذار للجميع، قررت أن أنشئ حزباً جديداً تكون للأحذية فيه الكلمة العليا
نوزع العضوية فيه على كل الجزم والبراطيش والصرم والمراكيب وربما الشباشب التي غنى لها مطرب ما: "يا شبشب الهنا.. يا ريتني كنت أنا" فمن منكم أو منكن يجد في نفسه الشجاعة لينضم إلىّ.. بشرط أن لا ينازعني أحد على الرئاسة الفـ...خْرية

ليست هناك تعليقات: